اليونيفيل، ملتقى للثقافات وتفاعل للحضارات

استماع /

كونها تضم موظفين وجنودا من أكثر من ثمانين جنسية مختلفة، تحولت اليونيفيل إلى نقطة التقاء لمختلف الحضارات. هنا في لبنان يكتشفون بعضهم البعض ويتفاعلون مع بعضهم وفي نفس الوقت يتعرفون على عادات وتقاليد البلد المضيف من خلال اللبنانيين الذين يلتقون بهم.

ينبغي على عناصر حفظ السلام أن يحترموا حضارة وثقافة البلد الذي يعملون فيه والبعض يذهب أبعد من ذلك .....

في أوائل شهر نيسان من العام 2010 تلقى موظفو اليونيفيل من عسكريين ومدنيين بريداً إلكترونياً يذكرهم بأنهم ضيوف في لبنان وبأنه يتوجب عليهم احترام قوانين، عادات وتقاليد هذا البلد. و نادرا ما نجد أحدا من عناصر اليونيفيل لا يلتزم بهذا الأمر:

"نحن بشر، علينا احترام الثقافات والأديان حيث ما نذهب. انا أحترم عادات وتقاليد اللبنانيين وهم يحترمون عاداتي وتقاليدي.

كعاملين في حفظ السلام علينا أن نكون حريصين على ثقافة البلد المضيف، وإلاَ فإننا لن نستطيع أن ننفذ مهمتنا وأن نقوم بواجبنا بشكل فعال."

معظم العاملين في حفظ السلام يتعرفون للمرة الأولى على الثقافة اللبنانية من خلال ما يسمى ب INDUCTION TRAINING أو التدريب التعريفي وهو إلزامي لجميع القادمين الجدد. والذين يريدون التعرف أكثر على الثقافة المحلية هناك المزيد من الفرص التي تتاح لهم كصفوف تعليم اللغة العربية التي تنظمها اليونيفيل. الزميلة رانيا بدير من إذاعة اليونيفيل بجنوب لبنان حضرت أحد صفوف اللغة العربية ووافتنا بالمقتطفات التالية:

***

مرتين في الأسبوع تقوم المدرسة اللبنانية غلوريانا شويري بتعليم اللغة العربية لعناصر اليونيفيل. رانيا بدير التقت بالمقدم أنخيل سيرانو من الكتيبة الإسبانية أحد تلاميذ اللغة العربية:

أنخيل: "لقد أتيحت لي الفرصة لكي أشارك في صفوف العربي التي تنظمها اليونيفيل. مع أن اللغة العربية صعبة للغاية إلا أن معرفتي بها بدأت تتحسن شيئاً فشيئاً على ما أعتقد. أجد بأن الكثير من الكلمات الإسبانية قريبة من اللغة العربية ونصفها تقريباً له جذور عربية.

إن التجوال في الأراضي اللبنانية قد يكون أفضل طريقة ليتعرف الشخص على الثقافة المحلية. ألاُ أن عناصر اليونيفيل لحفظ السلام هم عسكريون ومهمتهم هي الحفاظ على وقف الأعمال العدائية وتأمين الأمن والاستقرار في جنوب لبنان. لذلك فإن إمكانية تواجدهم في دوريات على طول الخط الأزرق هي أكبر بكثير من إمكانية تواجدهم في رحلة ثقافية عبر الأراضي اللبنانية.

غير أن هناك بعض الاستثناءات....

مؤخراً وخلال عطلة نهاية الأسبوع انطلق باص يحمل ضباطاً من  اليونيفيل من بلدة الناقورة في جنوب لبنان باتجاه سهل البقاع في جولة ثقافية إلى المعالم الأثرية هناك. العقيد جوهان كوبمان، قائد الكتيبة  البلجيكية كان من بين ركاب هذا الباص.

كوبمان: "تم تنظيم هذه الرحلة لضباط اليونيفيل من قبل الجيش اللبناني. كان من الضروري لنا التعرف على الحضارة اللبنانية والتقاليد هنا، بالإضافة إلى أسلوب حياة الشعب اللبناني. لقد إستكشفنا مدناً حديثة مثيرة للاهتمام ذات قلب قديم. لقد كانت هذه الرحلة غنية جداً وأعتقد أن التعاون بيننا وبين الجيش اللبناني سيتطور نتيجةً لمثل هذه الرحلة حيث أننا نستطيع  من خلالها أن نتعرف إلى بعضنا البعض، نتحدث مع بعضنا البعض، نعيش مع بعضنا البعض، ونفهم حاجات وآمال بعضنا البعض.

لكي تتعرف أكثر على العادات والتقاليد اللبنانية يمكنك كبداية أن تتفاعل مع جيرانك، وهذا بالذات ما قامت به اليونيفيل عندما نظمت في مقرها الرئيسي في الناقورة مهرجاناً للحرف والمأكولات اللبنانية ودعت السكان المحليين إلى المشاركة. رانيا بدير كان لها لقاء مع رولا بزيع، من مكتب الشؤون المدنية في اليونيفيل، وإحدى المنظمين المتحمسين لهذا الحدث:

رولا: "الفكرة من وراء هذا الحدث هي أن يرى عناصر اليونيفيل ماذا يفعل أهل الجنوب في ضعيهم، بما في ذلك حصاد الزيتون وعصر الزيت والمنتجات البلدية الذين يصنعونها كالصابون البلدي والمأكولات الذي نحضرها في منازلنا والتي لا يمكن أن يجدوها في المطاعم."

لقد كانت فرصة جيدة للعاملين في حفظ السلام أن يبتاعوا تذكاراً من هذا المهرجان، يحملونه معهم إلى أولادهم عندما يعودون إلى ديارهم. إلاُ أن فوائد هذا الحدث تخطت ذلك تقول رولا بزيع:

رولا: "الفكرة الأخرى من وراء هذا الحدث هي أن يتعرف اليونيفيل عن كثب على أهالي الجنوب الذين يسكنون القرى والذين يحضرون المأكولات بأيديهم والذين يخبزون الخبز بأيديهم، وكما يقال "بس يصير بيناتنا خبز وملح، منصير أهل انشاءلله"."

أن الصورة الشاعرية عن الأسرة قد أصبحت حقيقية عند العديد من العاملين في اليونيفيل اللذين تزوجوا من لبنانيين عبر السنين. لقد أدى التفاعل الحضاري والثقافي في حالتهم إلى اندماج كامل في المجتمع اللبناني. آري مرتيلا من فنلندا هو من بين هؤلاء الأشخاص:

آري: "حدث الأمر في بيروت في شارع مونو في مطعم هول إن ذا وول. ذهبت إلى هناك في إحدى الأمسيات وهناك التقيت بها، اقتربت منها وبدأت القصة."

ولم يمضي وقت طويل على اللقاء الأول حتى قدم آري لميرنا قلبه وروحه. أكثر من سبع سنوات مرت على زواجهم.

ميرنا: "أول الأمر كان هناك صعوبة أن يفهم هو كيف أفكر وكيف نحن نفكر بلبنان، ولكن بعد أن شرحت له كيف نعيش، وكيف نكون قبل الزواج، وكيف نصبح بعد الزواج، سارت الأمور على ما يرام."

آري: إن الثقافة اللبنانية مختلفة عن ثقافتنا في فنلندا، هنا الناس قريبون أكثر من بعضهم البعض."

يعتبر آري نفسه مندمجاً كلياً في المجتمع اللبناني مع أنه لا يملك الجنسية اللبنانية، فما هو رأي ميرنا؟

ميرنا: اعتقد كذلك، أصبح مثل اللبنانيين تقريبا.

آري: مرحبا، كيفيك؟ مبسوط؟  الحمدالله ...

ميرنا تضحك ...

إن التفاعل الثقافي لا يغني العاملين ضمن إطار اليونيفيل فحسب، بل هو ذا فائدة لكل من له علاقة بهذا التفاعل. في القسم الثاني من البرنامج سنتحدث عن استفادة اللبنانيين من هذا التفاعل، ونلقي الضوء بالتحديد على الكتيبة الكورية... فابقوا معنا...

تعرف العديد من الجنوبيين على الثقافة الكورية ومن ثم أبدوا اهتماما بهذه الثقافة من خلال كتيبة كوريا الجنوبية العاملة ضمن إطار اليونيفيل التي تتواجد في منطقتهم والتي تكثف أنشطتها في المجتمع الجنوبي. رئيس بلدية برج رحال، حسن حمود، أطلع رانيا بدير على مزيد من التفاصيل:

حسن حمود: "لحقيقة منذ قدوم القوات الكورية إلى لبنان ونحن نستفيد بشكل دائم من المساعدات الكورية، فلم يترك جانب من جوانب الحياة الاجتماعية في برج رحال إلا وعملنا على الاستفادة منها. قدما لنا مكتبة وقاعة للشباب، وقدموا صفا لتعليم الخياطة مع مدرب، وشيدوا ساحة أطلقنا عليها أسم ساحة الصداقة الكورية اللبنانية."

بالطبع إن الهدف الأساسي من تواجد الكتيبة الكورية في منطقة عملياتها جنوب نهر الليطاني هو حفظ الأمن والاستقرار، من خلال القيام بالدوريات المنتظمة مثلاً. إلا أن الكتيبة الكورية كغيرها من وحدات اليونيفيل تذهب أبعد من تنفيذ المهمات العسكرية إلى المساهمة في الكثير من المشاريع الاجتماعية كتوفير المولدات الكهربائية وترميم المدارس وإصلاح أو شق الطرقات. ويخبرنا حسن حمود عن دهشته عندما شاهد الجنود الكوريين يحملون الطبول الكبيرة المزينة بصور عن أسطورة التنين.

حسن حمود: "كان هناك احتفل قدمت به الكتيبة الكورية عرضا مميزا جدا يظهر التقاليد والعادات الكورية. أولا كان يرتدون اللباس الكوري المميز الحلو مع الألوان التي تبث الحياة، بالإضافة إلى الفرقة الموسيقية لأنهم كانوا يقدمون نوعا من القصة، والعزف والإيقاع الموسيقي كان جميل جدا. والحقيقة تجمعت كل البلدة لتشاهد هذا العرض المميز."

فمن خلال العروض الثقافية المميزة التي تقدمها الكتيبة الكورية من وقت لآخر في القرى والمدارس الجنوبية إضافة إلى التعريف عن الفنون القتالية في بلادها، بدأ اهتمام الجنوبيين بالثقافة الكورية. أما بالنسبة لملك ديب فقد بدأ هذا الاهتمام مع صفوف التايكواندو.

ملك: "التايكواندو كان وسيلة حتى أتعرف على حضارتهم ووسيلة حتى تواصل مع بعضنا ونصبح أصدقاء."

إلاَ أن ملك قد واجهت مشاكل عديدة كونها الفتاة الأولى في قريتها التي أبدت اهتماما بتعلم التايكواندو.

ملك: "حاولت أن اقنع أهلي، لم يتقبلوا الفكرة خاصة وأن فتاة محجبة تلعب التايكواندو مع شباب. ولكن حاولت بطريقة سلمية أن أقنعهم وقلت لهم إنها للدفاع عن نفسي، فأيدوني بهذه الفكرة."

والآن تضم صفوف التايكواندو التي تنظمها الكتيبة الكورية حوالي عشر فتيات. و خلال حديث إذاعة اليونيفيل مع ملك دعت هذه الأخيرة الجميع إلى تعلم رياضة التايكواندو لما للرياضة من تأثير إيجابي على جسم الإنسان. رئيس بلدية برج رحال، حسن حمود، يشاطرها الرأي:

حسن حمود:"نحن نعرف أن بعض أنواع الرياضة هي رياضة قاسية. التايكواندو هي واحدة منها، لكن بالإضافة إلى ذلك، فهي تعلم السيطرة على النفس. وقد بدأ الطلاب الذين يبلغ عددهم حوالي مائتين طالب في خمس قرى، يتعاملون مع هذه الرياضة، فهم يشاهدون هذا الجندي الكوري القادر على التحطيم، جنديا هادئا وناعما في نفس الوقت."

وتتعدد فوائد التفاعل الثقافي والحضاري بين اللبنانيين وجنود حفظ السلام من الكتيبة الكورية. شوقي عرب الذي يملك مطعماً في صور يقر بأنه شخصياً قد تأثر بمدى الاجتهاد والدقة التي يتمتع بهما شعب  كوريا الجنوبية.

شوقي: "لقد تعلمت من هذا الشعب الصدق وإنشاء لله أكون صادق في كلامي. فعندما يقلون لي يجب أن تأتي الساعة العاشرة، أكون العاشرة إلا ربع في مركز قوات الطوارئ، لأنهم عندما يقولون لي مثلا أنهم قادمون إلى مكتبي الساعة العاشرة يفون بوعدهم. بالفعل إنهم شعب صادق وعظيم." 

ولسكان الجنوب الذين يريدون أن يتعمقوا أكثر في الثقافة الكورية، يقدم لهم جنود حفظ السلام فرصة السفر إلى كوريا الجنوبية وزيارة المواقع التاريخية الشهيرة هناك إضافةً إلى حضور المناسبات الثقافية المختلفة والإجتماع بممثلي الشركات الكبرى هناك. الرائد كيم من وحدة التعاون المدني العسكري أوضح لرانيا بدير من إذاعة اليونيفيل هم الأشخاص المؤهلون لمثل هذه الرحلة:

كيم: "أي شخص لديه إهتمام بكوريا وقد نختار واحدً من بين أشخاص يأتون من خلفيات متنوعة. منذ أن أطلقنا برنامج"زيارة لكوريا" في العام 2008، ما يقارب المئة لبناني أتيحت لهم الفرصة بزيارة بلادنا. ونأمل أن تساعد هذه التجربة على فهم الثقافة والحضارة الكورية بشكل أفضل."

لم تكن هذه الرحلة مسلية فقط بل مفيدة أيضاً يقول حسن حمود، لأن التعرف على حضارة جديدة ساهم في توسيع آفاقه كما أن الإنجازات التي حققها الكوريون في إعادة بناء بلدهم بعد الحرب الأهلية المدمرة قد ألهمته وشكلت له مثالاً يقتدي به.

حسن: "الذي أعجبني بكوريا أن الشعب يحس بمحيطه. أذ يشعر بالشجرة والطريق مثلما يشعر بالإنسان الآخر. أتمنى أن نصل في لبنان إلى وقت نشعر فيه أن الشجرة والأرض هي لنا وجزء منّا ونستطيع المحافظة عليهم."

ملك ديب كانت أيضاً من بين الذين أتيحت لهم فرصة الذهاب إلى كوريا الجنوبية.

ملك: "كانت أروع تجربة خضتها في حياتي تعرفت على كثير من الأشخاص الكوريين الذين يردون بالفعل العمل في لبنان ويرغبون في مساعدتنا، ويتعرفوا على حضارتنا ويعرفونا على حضارتهم. فكانت تجربة جميلة جدا وأتمنى بالفعل أن تدوم صداقتنا إلى الأبد."

وبهذا نصل مستمعينا الأعزاء إلى ختام برنامجنا الخاص الذي تناولنا فيه تفاعل عناصر اليونيفيل مع الحضارة والثقافة اللبنانية؛ قدمته لكم مي يعقوب. وقبل أن استودعكم اسمحوا لي أن أتوجه بالشكر الجزيل لفريق عمل إذاعة اليونيفيل في جنوب لبنان. الشكر أيضا لنبيل ميداني من قسم الإنتاج وكارلوس ماسايس من قسم الهندسة بإذاعة الأمم المتحدة بنيويورك. وعلى أمل اللقاء في برامج أخرى لكم مني أطيب التحيات.

البرنامج اليومي
البرنامج اليومي
Loading the player ...

تواصل

 

يوليو 2014
الأحد الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
« يونيو    
 12345
6789101112
13141516171819
20212223242526
2728293031