ما بعد حدود الولاية ... اليونيفيل تنخرط في خدمة المجتمع

استماع /

اليونيفيل بين إرساء السلام والأمن في الجنوب اللبناني والعمل على مشروعات تخدم المواطنين

جرت مؤخرا مراجعة استراتيجية لليونيفيل بطلب من مجلس الأمن في نيويورك وقد ركزت هذه المراجعة على إيجاد الوسيلة الأفضل لتعزيز آلية تنفيذ القرار 1701  وفي الوقت نفسه نوهت بالتقدم الذي أحرز في السنوات الخمس الأخيرة. وهكذا تم تحديد أولويات الإستراتجية الجديدة لليونيفيل. فما هي هذه الأولويات وكيف ستؤثر على عمل اليونيفيل وعلى الوضع في جنوب لبنان؟ ستأتيكم الإجابة بعد قليل.

قبل الحديث عن المراجعة الاستراتجية والتوصيات التي وردت فيها فإنه من المفيد أن نذكر السياق الذي أجريت فيه هذه المراجعة. فقد تم وبشكل كبير احترام وقف ا لأعمال العدائية والخط الأزرق من قبل الأطراف ونتيجة لذلك فإن جنوب لبنان يتمتع بأطول فترة من الهدوء منذ عقود. وهذا يعود إلى حد كبير إلى وجود اليونيفيل والأنشطة التي تقوم بها ويمكننا قراءة ذلك في رسالة الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون التي أبلغ فيها مجلس الأمن نتائج هذا المراجعة الاستراتيجية:

بان كي مون:

"تأتي المراجعة الاستراتجية في الوقت المناسب ليس فقط بوصفها أداة لبحث انجازات اليونيفيل والتحديات التي واجهتها بل بوصفها فرصة لاستغلال مواطن القوة لديها لمواصلة تنفيذ القرار 1071 وبالتالي صيانة تلك المنجزات."  

وقد يتسأل البعض لماذا هناك حاجة لمراجعة استراتيجية إذا نجحت اليونيفيل بالتعاون مع الأطراف في الحفاظ على وقف الأعمال العدائية؟ هذا السؤال وجهته رانيا بدير من إذاعة اليونيفيل في جنوب لبنان إلى المسؤولة في مكتب الشؤون السياسية في البعثة، كورنيليا فرانك:

"إن القيام بمثل هذه المراجعة لا يعني أن هناك خطأُ ما متعلقا باليونيفل إنها فقط للتأكيد على الأمور التي يتعين على البعثة القيام بها وبالطريقة الصحيحة، وما إذا كان تكوين هذه البعثة هو الأنسب لأداء المهام المنوطة بها. إنها ممارسة عادية جدا بالنسبة لجميع بعثات حفظ السلام."

وما هي النواحي التي تمت مراجعتها؟ قد يتساءل البعض عما إذا كان ذلك يعني تغييرا في ولاية البعثة أو في قواعد الاشتباك أو منطقة العمليات أو عديد قوات اليونيفيل؟ كورنيليا فرانك تجيب على هذه التساؤلات:

"هذا هو بالضبط ما لا تنطوي عليه هذه المراجعة! فهي ليست مراجعة لولاية ومهام اليونيفيل، أو قواعد الاشتباك أو قوة وحجم هذه البعثة. ليست هذا على الإطلاق، بل هي مراجعة تتطلع نحو الأمام وتحاول الاستفادة من النتائج الإيجابية التي حققتها اليونيفيل بالتعاون مع الجيش اللبناني في جنوب لبنان. كما أنها تبحث في الأولويات الرئيسية والتحديات المتبقية حتى تتمكن اليونيفيل من تنفيذ ولايتها."

وقد أوصت المراجعة بأن تبني اليوينفيل عملها على أنشطة وترتيبات الارتباط والتنسيق بما في ذلك آلية عمل الاجتماع الثلاثي التي أثبتت جدواها في الحفاظ على الهدوء في جنوب لبنان. كما حددت هذه المراجعة ثلاث أولويات لليونيفيل، إحداها أن يكون هناك نهج متكامل وشامل من أجل تنفيذ القرار 1701. كورنيليا فرانك:

"تعرفين أن القرار 1701 هو قرار شامل واليونيفيل مسؤولة عن أحد جوانبه المتمثل في الحفاظ على وقف الأعمال العدائية. ولكن هناك ناحية سياسية لهذا أيضا ألا وهي التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار وحل طويل الأمد بين الأطراف. وهذا من صلاحيات مكتب المنسق الخاص للأمم المتحدة في لبنان ومقره بيروت. هاتان البعثتان لديهما مهمتان منفصلتان، لكنهما يكملان بعضهما البعض. الهدف إذا يكمن في أن يعملا معا وبشكل وطيد من أجل تطبيق شامل للقرار 1701."

أما بالنسبة للأولوية الثانية، فرسالة الأمين العام للأمم المتحدة تعطينا التفاصيل:

"زيادة إشراك الحكومة اللبنانية في تنفيذ القرار 1701، لا سيما من خلال السعي إلى تعزيز مشاركتها إي إشراك وزاراتها ومؤسساتها الأمنية في جنوب لبنان."

وما هي النواحي التي تتطلب مشاركة أكبر من الحكومة اللبنانية؟ وجهت رانيا بدير هذا السؤال إلى كورنيليا فرانك:

"كلفت اليونيفيل بمهمة دعم الحكومة اللبنانية لبسط سلطتها في جنوب لبنان. وبالفعل تحقق أمر مهم وملموس في هذا الإطار وهو انتشار الجيش اللبناني في الجنوب للمرة الأولى منذ نحو ثلاثين عاما. والآن حان الوقت للمضي قدما من أجل ضمان حضور أكبر للمؤسسات الحكومية المختلفة في الجنوب بهدف تحقيق تكامل لأعمق للمنطقة مع بقية أنحاء لبنان."

أما الأولوية الثالثة لليونيفيل فقد جاءت في رسالة الأمين العام للأمم المتحدة وكما حددتها المراجعة الاستراتجية أيضا:

"الزيادة في قدرات القوات المسلحة اللبنانية ليس فقط كشرط أساسي للاستئناف التدريجي للمراقبة الأمنية الفعالة والمستدامة لمنطقة عمليات اليونيفيل وفي المياه الإقليمية اللبنانية، بل وكذلك كعنصر أساسي لدعم المبادرات الرامية إلى تحقيق وقف دائم لإطلاق النار."

وبالفعل تم القيام بالكثير في هذا الإطار، فقد سلمت اليونيفيل إلى الجيش اللبناني مركبات وأبنية جاهزة وأجهزة كومبيوتر وغيرها من المعدات. كما قامت بعض الوحدات من البلدان المساهمة في اليونيفيل بتوفير دعمها. وعلى سبيل المثال قدمت ألمانيا محطات رادار تمكن البحرية اللبنانية من السيطرة على مياهها الإقليمية بشكل فعال. كما نفذت أيضا دورات تدريبية مشتركة بين قوة البحرية والبحرية اللبنانية. فماذا سيتغير إذا من الآن فصاعدا؟ كورنيليا فرانك تجيب:

"كما تعلمين إن اليونيفيل بدأت بالفعل مع الجيش اللبناني منذ عام و نصف تقريبا بحوار استراتجي ناشط للغاية. وقد حان الوقت الآن إلى تسريع آلية الحوار الاستراتجي هذه. وهو ما دعا إليه مجلس الأمن أيضا، كما دعا لأن تقوم اليونيفيل بإنشاء آلية للتنسيق بين الدول المانحة من أجل دعم هذه العملية. إن المراجعة الاستراتجية لا تسعى فقط إلى تولي الجيش اللبناني في نهاية الأمر المسؤوليات التي تقوم بها اليونيفيل في إطار المهمات الموكلة إليها، بل أيضا إلى أن يصبح هذا الجيش عنصرا أساسيا في عملية التقدم باتجاه وقف دائم لإطلاق النار. هذا هو أيضا أحد الجوانب الرئيسية للمراجعة الاستراتجية."

مهام بعثة اليوينفيل لا تقتصر فقط على مراقبة الخط الأزرق وضبط الأمن في جنوب لبنان، ولكن تشمل أيضا خدمات طبية واجتماعية بما فيها ترميم مدرسة عيتيت علي دقة الرسمية التي قامت به مؤخرا الكتيبة التركية:

"بما أن الكتيبة التركية قريبة منّا، ونعرف أنها تساعد أغلب المدارس المحيطة بنا، فقد لجأنا إليها لمساعدتنا لأنن نعرف أنها ستلبي طلبنا."

إن طلب مدير المدرسة الرسمية في عيتيت علي دقة كان مثمرا. فمجرد وصول الطلب إلى الوحدة التركية، تحرك عدد من جنودها من مصممين وبنائين للبدء بالعمل. وبعد فترة شهر من العمل الشاق في ترميم المدرسة أو بشكل أدق في ترميم قسم الحضانة فيهاـ تغير هذا القسم بشكل كبير.

كانت الحضانة في مدرسة عيتيت في حالة من الفوضى عندما زارها جنود من الوحدة التركية العاملة ضمن إطار اليونيفيل في يوم ماطر وبارد من الشتاء الماضي. الأمطار تتسرب من السقف وطلاء الجدران قديم ومتقشر والأثاث في حالة سيئة. أما أطفال الحضانة فتجمعوا حول المدفئة. المعلمة أمون عطوة كانت تشعر بالإحباط:

"كل شيء لدينا قديم. وهناك نشّ في الصف الذي ليس مجهزا للروضات. نحتاج إلى تجهيزات كثيرة ليكتمل الصف."

ولهذا قرر جنود حفظ السلام أن يغيروا كل شيء من الألف إلى الياء في حضانة المدرسة الرسمية في عيتيت التي لم يتم فيها أية أعمال للصيانة والترميم منذ فترة طويلة. وفي غضون أيام قليلة بدأ العمل على قدم وساق:

الجندي موسى بزنين أغلو في ردائه الأزرق وشعار اليونيفيل على كتفيه كان من بين عشرات جنود حفظ السلام الذين قاموا بطلاء الجدران في مدرسة عيتيت:

"وضعنا الآن غطاء أول من الطلاء وهو للحماية وبعد ذلك سنضع طبقتين أخريين من الطلاء وهي ستكون إما باللون الأبيض أو باللون الأصفر الفاتح أو باللون الأرجواني. نحن نقوم بذلك من أجل الأطفال وكما تعلمين إن الأطفال يحبون الألوان الزاهية."

إن أعمال التجديد في قسم الحضانة في مدرسة عيتيت لم تكن بالنسبة لجنود اليونيفيل مجرد طلاء للجدران أو بعض الجوانب الفنية الأخرى. بل كانت أيضا تقوية لأواصر الصداقة مع الجنوبيين بما في ذلك الأطفال الصغار:

"الف، باء، تاء، خاء، دا.."

شذا التي تبلغ من العمر أربع سنوات تعلم الرقيب أسغور أوشوك حروف الأبجدية العربية خلال فترة الاستراحة، ويقول أسغور إن كل لقاء بأطفال الحضانة بمدرسة عيتيت يذكره بعائلته في وطنه الأم:

"مرّ على وجودي هنا حوالي ستة أشهر وقد ولد أبني خلال فترة خدمتي هنا في جنوب لبنان. لقد سمح لي قائد الوحدة بالذهاب إلى تركيا لرؤية طفلي ولكن فقط لخمسة أيام. أنا أعتقد أن سبب تعلقي بأطفال الجنوب يعود إلى كونهم يذكرونني بعائلتي وبأبني."

وبعد شهر من العمل الجاد، تغيرت ملامح قسم الحضانة في مدرسة عيتيت تغيرا جذريا، وقد فتحت أبوابها من جديد بحلة مختلفة تماما وبزينة من الأعلام والبالونات الحمراء والبيضاء.

(أطفال يغنون....)

وأول مفاجأة اكتشفها الأولاد كانت الملعب الشتوي الذي تم بناؤه وتجهيزه في القاعة أمام المدخل الرئيسي للمدرسة، مغطا بسجادة زاهية الألوان ومليئا بالكراسي الهزازة والكرات والألعاب الأخرى فأصبح هذا الملعب على الفور المكان المفضل للأطفال. ومزيد من المفاجآت كانت تنتظرهم داخل الصفوف. علية دقة تشارك إذاعة اليونيفيل بانطباعاتها:

"تغير كل شيء، فالألوان التي استخدمتموها، تلفت نظر الأولاد وتريح نفسيتهم، ونحن أيضا ترتاح نفسيتنا. حتى اللوح تغير، فبدلا من أن نستعمل الطبشور ونوسخ المكان كله، وضعتم لنا لوحا سحريا."
 
هذا هو رأي الكبار من مدرسين وأهالي. لكن ما هو رأي الصغار الذين يبلغون من العمر أربع أو خمس سنوات والذين يرتادون حضانة المدرسة:

"نحب صفنا الحلو، نحب صفنا الحلو،  نحب صفنا الحلو."

نهاية صالح، والدة طالبة في الحضانة تقول إن تجديد الحضانة غير نظرة ابنتها إلى هذا المكان:

"ابنتي الصغيرة حالما وصلت إلى البيت بدأت تخبرني عن الصف. قالت لي ماما أصبح صفنا جميلا جدا، وأصبح لدينا أشياء جميلة جدا في الصف. أنها تحلم بأن تدخل إلى الصف وتلب في داخله مع المعلمة ورفاقها."

أما نائب قائد الوحدة التركية في البعثة، النقيب نجاتي درموش بوش، فيقول إن أكبر مكافأة يمكن أن يحظى بها جندي حفظ السلام هو تقدير أهالي الجنوب وخاصة الأطفال:

"نحن موجودون هنا للمساعدة، لدعم أهالي الجنوب. أولا وقبل كل شيء علينا القيام بمهمة حفظ السلام والاستقرار في جنوب لبنان كما ينص القرار 1701. لكن عندما تكون لدينا الإمكانية والوسائل المادية لخدمة الأهالي سواء كان ذلك عن طريق تجديد مدرسة أو حضانة أو غيرها من الأمور، فهذا يجعل مهمتنا أكثر نجاحا."

ويضيف النقيب نجاتي قائلا إن هذا المشروع هو الأخير بالنسبة له لأن فترة خدمته في اليونيفيل قد شارفت على الانتهاء، لكنه سيبقى في ذاكرته للأبد:

"مرّ على وجودي هنا حوالي ثمانية أشهر وقد حان الوقت إلى أن أعود إلى وطني وإلى عائلتي وابني الذي ولد قبل مجيئي إلى لبنان فهو الآن يبلغ من العمر تسعة أشهر. وبطبيعة الحال سوف أذكر هذا البلد الجميل وشعبه الودود وهذا المشروع الذي قمنا به في قرية عيتيت. ولن أنسى ابتسامة هؤلاء الأطفال الجنوبيين الذين تمكننا من مساعدتهم."

وبهذا نصل مستمعينا إلى ختام برنامجنا الخاص حول عمل بعثة اليونيفيل في جنوب لبنان، قدمته لكم مي يعقوب.. وقبل أن استودعكم، اسمحوا لي أن أتوجه بالشكر الجزيل لفريق عمل إذاعة اليونيفيل في جنوب لبنان، الشكر أيضا لنبيل ميداني من قسم الإنتاج بإذاعة الأمم المتحدة في نيويورك... وعلى أمل اللقاء في برامج أخرى، أتمنى لكم أطيب التحيات...

البرنامج اليومي
البرنامج اليومي
Loading the player ...

تواصل

 

يوليو 2014
الأحد الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
« يونيو    
 12345
6789101112
13141516171819
20212223242526
2728293031