رهام الفرا

استماع /

في  شهر أيلول من كل عام، يسافر 11 صحفيا شابا  قاطعين آلاف الكيلومترات وساعات سفر تصل إلى عشرين ساعة، قادمين من مختلف البلدان النامية للالتحاق ببرنامج رهام الفرا (راف)، ليتعرفوا عن قرب على عمل الأقسام المتنوعة للأمم المتحدة.

ولكن البرنامج الذي تأسس عام 1980 من قبل الجمعية العامة، لمساعدة الصحفيين من الدول النامية على فهم الأمم المتحدة ورفع مهنيتهم واستقبالهم أثناء الدورة العادية للجمعية العامة كي يضعوا أيديهم على عمل الأمم المتحدة بشكل مباشر، لم يكن يحمل اسم "رهام الفرا"!

... في عام 2003 هزّ الأمم المتحدة حدث عظيم، وهو الهجوم الذي تعرض له مقر المنظمة في العاصمة العراقية بغداد، وأدى إلى استشهاد اثنين وعشرين من الزملاء، من بينهم المرحومة رهام الفرا.

الدكتور حميد عبد الجابر، الذي كان آنذاك رئيس الوحدة العربية بإذاعة الأمم المتحدة ومركز الأنباء، كان وراء تغيير اسم البرنامج. فلنتسمع إلى ما قاله، في هذا الحوا ر الإذاعي، عن السبب الذي دفعه إلى السعي لتغيير اسم البرنامج:

"كانت رهام الفرا جزءا من إدارة شؤون الإعلام وجزءا من الإذاعة العربية وكانت مسؤولة عن قسم الانباء. وبالتالي اقترحت على الإدارة أن تعيد تسمية هذا البرنامج ليسمى باسم رهام الفرا تخليدا لها، لأنها أولا موظفة أمم متحدة وثانيا هي صحفية وثالثا وضعت حياتها على المحك لتقوم بدور الصحفي في بغداد، ومن الواجب أن نكرم مثل هؤلاء الناس. وكان الاقتراح قد لقي قبولا من المدير المباشر، السيد أحمد فوزي، الذي رفعه بدوره إلى وكيل الأمين العام لإدارة شؤون الإعلام السيد شاشي طارور. وتمت مناقشته باستفاضة وتم اعتماد الاسم الجديد... وهكذا منذ عام 2003 إلى هذه اللحظة، يخلد البرنامج ريهام الفرا ويعود الصحفيون إلى بلدانهم وهم يعرفون شيئا عن ريهام الفرا وعن التضحية الكبيرة، وهي التضحية بالروح، التي قدمتها من أجل العمل في الأمم المتحدة ومن أجل مبادئ وأهداف الأمم المتحدة."

كان لا بد من الاتصال أيضا بأحد أقارب رهام الفرا الذين عرفوها وعايشوها عن قرب، فلم يكن أفضل من الحديث إلى اختها الدكتورة رولا الحروب. سألتُ السيدة رولا عما يعني لها أن تظل ذكرى ريهام خالدة في الأمم المتحدة، فأجابت:

"يعني الكثير..."

السيدة رولا التي تشغل حاليا منصب "نائب" في البرلمان الأردني، قالت "إننا نتعلم من الأمم المتحدة الوفاء للأشخاص والوفاء للأحداث والوفاء للذكريات وهي مسألة مع الأسف الشديد نفتقر إليها تماما في العالم العربي، مشيرة إلى أن تسمية هذا البرنامج باسم اختها رهام يعتبر أولا مناسبة لتكريس المعاني التي استشهدت من أجلها ريهام الفرا، وثانيا لتكريس طموح الشباب الصحفيين وخاصة الإناث، لأن العاملات في هذه المهنة يعانين صعوبات كثيرة، ليس فقط في المنطقة العربية ومناطق النزاعات المسلحة، ولكن حتى في العالم المتحضر:

"اختيار اسم رهام ليمز هذا البرنامج يحمل الكثير من الدلالات. يحمل شعلة أمل أيضا للصحفيين الشباب من الجنسين ذكورا وإناثا، هو يكرس هذه الحادثة المؤلمة في تاريخ الأمم المتحدة والتي كانت غير مسبوقة آنذاك بعدد من استشهد منها من خيار العاملين في الأمم المتحدة وبدلالتها السياسية والمعنوية المهمة والتي تركت بصماتها في مسيرة الحرب في العراق آنذاك. فأنا كأخت وشقيقة لريهام أشعر بالامتنان، هذا من جهة، وكصحفية بحد ذاتي وعاملة في المجال الإعلامي ونائب في البرلمان الأردني أيضا أشعر بأنكم تقدمون لنا نموذجا للوفاء نشكركم عليه."

"...كان هناك في لحظة من اللحظات النية في إيجاد مركز انباء باللغة العربية أسوة باللغتين الفرنسية والإنكليزية. وقد طلب مني المدير ان أبحث عن شخص له خبرة صحفية وخبرة إعلامية ومن الصدف أنها جاءت عن طريق صديقة ثالثة عرفتني بها، وإذا بالمرحومة رهام الفرا تحمل كافة المواصفات التي تتطلبها الوظيفة".

هذا ما قاله لي الدكتور حميد عبد الجابر الرئيس الأسبق للقسم العربي بإذاعة الأمم المتحدة ومركز الانباء حين سألته عن الأسباب التي دفعته إلى اختيار رهام لتكون جزءا من فريق العمل:

"هي صحفية أصلا عملت في الصحافة الأردنية سنوات طويلة وقد تخرجت من قسم الصحافة بدرجة الماجستير من لندن وتبحث عن عمل. فكل المواصفات كانت موجودة فيها. وعندما اختبرتها باللغة العربية، وجدت أن لغتها العربية أيضا ممتازة، إذ لديها القليل من الأخطاء وتتحكم بالقواعد وهي كاتبة أصلا وبالتالي عندما قدمتها لمديري قال لا نجد أفضل من هذه وتم توظيفها فورا."

وذكر الدكتور عبد الجابر أنه أثناء المدة التي عملت بها رهام معه - لحوالي أقل من سنة-، لم يجد صعوبة في العمل معها وكانت طالبة مجتهدة وموظفة محترمة، وكان لديها طموح كبير بأن توسع خبرتها في الأمم المتحدة وأن تذهب للعمل في الميدان. وبالتالي عندما اتيحت لها الفرصة للعمل في العراق، لم تتردد مع أن المهمة كانت على شيء من الخطر.

وقد نصحها آنذاك السيد عبد الجابر قائلا إن هذه المهمة صعبة وأن الأمور في بغداد غير مستقرة، إلا أنها أصرت أن تذهب. وقالت له بالحرف الواحد: "الصحفي دائما يريد أن يعمل في الميدان لا خلف أربع جدران في المكاتب"....

ويقول مسؤول برنامج رهام الفرا أو "راف"، زفي مسكال، إنه منذ بداية البرنامج في العام1980 ، تمكن من تدريب  510 صحفيين من الدول النامية  لمعرفة نظام العمل في مبنى الأمم المتحدة عن قرب. وعن ريهام الفرا قال مسكال:

"تم تغيير اسم البرنامج لأن الجمعية العامة أرادت أن تكرم رهام الفرا التي قتلت في تفجير مبنى الامم المتحدة ببغداد العام 2003 . ورهام شابة أردنية تبلغ من العمر 29 عاما، كانت تعمل في البروتوكول وتوفيت في أول يوم عمل لها هناك."

يَعتبِرُ مسكال "البرنامج "فرصة لا تتوفر إلا مرة واحدة في العمر، للصحفيين من البلدان النامية باعمار تتراوح بين 20 و35 عاما". يقضي خلالها الصحفيون أربعة أسابيع في نيويورك، يركزون فيها على عمل الجمعية العامة للأمم المتحدة، والقضايا المهمة مثل ارتفاع درجات الحرارة العالمي، وأعمال مجلس الامن.

ولجعل البرنامج أكثر دينامكية، تُنَظم للمشاركين زيارات ميدانية لمؤسسات خارج مبنى الأمم المتحدة مثل منظمة مراقبة حقوق الانسان، ومبنى صحيفة "نيويورك تايمز" وغيرها.

كما يزور الصحفيون إحدى الجامعات الأمريكية العريقة المتخصصة بالإعلام، حيث تستمر الزيارة لمدة يومين يلتقي خلالها المتدربون مع أساتذة الإعلام في تلك الجامعة.

كما يقضي المتدربون الأسبوع الخامس في مقر الأمم المتحدة بجنيف مع التركيز على حقوق الانسان وزيارة بعض الوكالات المرتبطة بعمل الامم المتحدة هناك.

زفي مسكال من جديد:

"البرنامج لا يقدم فرص عمل في الأمم المتحدة، فمهتمه "التدريب". ولكن يمكن لأي مشترك أن يقوم بنشر موضوع عن عمل الأمم المتحدة وإرساله عبر البريد الإلكتروني. وإذا توفرت فيه شروط العمل الجيد سنقوم بنشره على موقعنا. ونحن ننوي في المستقبل أن نخلق ناديا للمشاركين القدامى في البرنامج، لنرى إذا استمروا في الكتابة عن الأمم المتحدة، وإنْ كانوا يكتبون بشكل جيد ويستندون في كتاباتهم على حقائق وأدوات وفرناها لهم خلال البرنامج."

وفي حديث أجرته إحدى المشاركات في البرنامج هذا العام، وهي الصحفية العراقية الشابة ميادا داوود، مع مشاركة أخرى من أذربيجان تدعى خانم جفادَفا، قالت خانم إنها قدِمت إلى المنحة من خلال مكتب الأمم المتحدة لشؤون الإعلام في بلدها. وقبل ذلك لم تكن خانم تعرف أي شيء عن البرنامج!

"عندما سمعت عن هذا البرنامج، لم تكن لدي في الواقع أية فكرة عن كيفية عمله. ولكنني قمت بقراءة بنوده ووجدته مثيرا للاهتمام، خصوصا امكانية مقابلة العديد من مسؤولي الأمم المتحدة والتعرف على عمل الجمعية العامة للامم المتحدة ومجلس الأمن عن قرب."

خانم تعيش في بلد يعرف الناس بأن هناك مؤسسة اسمها الامم المتحدة، لكنهم لا يعرفون العمل الضخم الذي تؤديه، اليوم كصحفية-تقول خانم- انا قادرة على اعطاء فكرة للمواطن في بلدي عما يحدث في العالم الخارجي.

أما حسن عيسى من جيبوتي فتعرف على البرنامج كما يقول من خلال وزارة الاعلام في بلده التي دعت وسائل الإعلام للتقديم إلى المنحة.  كان عدد المتقدمين أربعة صحفيين، وكان المطلوب صحفي واحد يتم اختياره عن طريق مقابلة على الهاتف أو على "سكايب":

"قررت أن أكون في هذه المنحة أولا لأنها تجربة وفرصة منحت لي واستفدت منها. فبعد أن جئت إلى نيويورك، خاصة إلى الأمم المتحدة استفدت كثيرا منهم وتعلمت الكثير، بما في ذلك كيف يعملون وكيف يتشاورون. كما تعرفت أيضا على هيئات مختلفة من الأمم المتحدة ومقراتها في نيويورك."

 

 

حسن قال إنه حين يجري في المستقبل حديث عن "الأمم المتحدة سيكون الصحفي الأكثر خبرة في بلده للحديث عنها".

جانا هكتور من دومنيكا تعرفت الى البرنامج من خلال مديرها في العمل، ولم تكن تتصور أن لديها فرصة للالتحاق بالمنحة، لكنها اليوم سعيدة بقدومها إلى مقر الأمم المتحدة:

"الآن وفيما أحصل على هذه الخبرة، اعتقد أنني سأخذ الكثير معي عندما أعود إلى بلدي، إذ إنني تعلمت الكثير عن الأمم المتحدة، وبما أن عدد سكان بلادي صغير وليست لدينا موارد بشرية في مجالات مختلفة، أود أن أكون هذا الشخص الخبير في شؤون الأمم المتحدة."

وقد تمكنت منحة ريهام الفرا هذا العام من جمع أربعة صحفيين ذكور من نيجيريا وأفغانستان وسيراليون وغينيا، وسبع صحفيات من أذربيجان ودومنيكا ونيكاراغوا وبولندا وغرينيدا والعراق.

وقبل أن استودعكم اسمحوا لي مستعمينا الأعزاء أن أتوجه بالشكر إلى كل من ساهم معي في إنجاح حلقتنا الخاصة حول "برنامج ريهام الفرا"، وأخص بالذكر الدكتور حميد عبد الجابر والدكتورة رولا الحروب والصحفية الشابة ميادا داوود. الشكر أيضا لنبيل ميداني من الإنتاج وكارلوس ماسايس من الهندسة الإذاعية. ومن قسم الإعداد والتقديم، كانت معكم، مي يعقوب...

البرنامج اليومي
البرنامج اليومي
Loading the player ...

تواصل

 

أبريل 2014
الأحد الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
« مارس    
 12345
6789101112
13141516171819
20212223242526
27282930